الشيخ عباس القمي

31

منتهى الآمال في تواريخ النبي والآل ( ع )

ومسترجع داع له اللّه مخلصا * يعدد منه كل ما هو ذاكر وكم شامت مستبشر بوفاته * وعمّا قليل للذي صار صائر ( 1 ) فشقّت جيوبها نساؤه ، ولطمت خدودها إماؤه ، وأعول لفقده جيرانه ، وتوجع لرزيته اخوانه ، ثم اقبلوا على جهازه وشمروا لابرازه ، كأنّه لم يكن بينهم العزيز المفدى ولا المجيب المبدى : وحل أحب القوم كان بقربه * يحث على تجهيزه ويبادر وشمر من قد أحضروه لغسله * ووجه لما فاض للقبر حافر وكفن في ثوبين واجتمعت له * مشيعة اخوانه والعشائر ( 2 ) فلو رأيت الأصغر من أولاده ، قد غلب الحزن على فؤاده ويخشى من الجزع عليه ، وخضبت الدموع عينيه وهو يندب أباه ويقول : يا ويلاه وا حرباه : لعاينت من قبح المنية منظرا * يهال لمرآة ويرتاع ناظر أكابر أولاد يهيج اكتئابهم * إذا ما تناساه البنون الأصاغر وربه نسوان عليه جوازع * مدامعهنّ فوق الخدود غوازر ( 3 ) ثم اخرج من سعة قصره إلى ضيق قبره ، فلمّا استقر في اللحد وهيّئ عليه اللبن ، احتوشته اعماله ، وأحاطت به خطاياه ، وضاق ذرعا بما رآه ، ثم حثوا بأيديهم عليه التراب ، وأكثروا البكاء عليه والانتحاب ، ثم وقفوا ساعة عليه ، وآيسوا من النظر إليه وتركوه رهنا بما كسب وطلب : فولوا عليه معولين وكلهم * لمثل الذي لاقى أخوه محاذر كشاء رتاع « 1 » آمنين بدالها * بمديته بادي الذراعين حاسر فريعت ولم ترتع قليلا وأجفلت * فلمّا نأى عنها الذي هو جاذر « 2 »

--> ( 1 ) رتاع : الذي يتتبع بابله المراتع الخصبة . ( 2 ) جاذر : ولد البقرة الوحشية .